الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

مصر تلهم العالم و"المالية" متيمة باقتصاد السوق

ملايين المحتجين اجتاحوا الميادين الرئيسية في أكثر من ألف مدينة بدول رأسمالية صناعية متقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا واليابان واستراليا، ودول صناعية جديدة وأخرى نامية، وهم يحملون رايات تطالب بالعدالة الاجتماعية وتندد بفساد وجشع الرأسمالية، ورايات أخرى تشكر مصر وثوارها الذين ألهموا العالم، فكرة الثورة من أجل العدالة الاجتماعية، بما في ذلك من ثاروا ضد حكومتهم في الكيان الصهيوني في وقت سابق

والمؤسف أن هذا الإلهام العالمي لهدف العدالة الاجتماعية، لم يجد حتى الآن صدى حقيقيا لدى السلطات في مصر المتمثلة في المجلس العسكري الحاكم والحكومة، فوزير المالية المصري ومن قبله رئيس الحكومة وممثلي المجلس الحاكم، لم يملوا من التأكيد على أن النظام الاقتصادي في مصر هو اقتصاد السوق الرأسمالي، ناسين أنه نفس النظام الاقتصادي السائد في عهد الديكتاتور المخلوع مبارك، وهو الذي أنتج البطالة والفقر وسوء توزيع الدخل وغياب العدالة الاجتماعية وانتشار الفساد والبطء الشديد في النمو الاقتصادي الحقيقي والارتفاعات غير المبررة في أسعار السلع والخدمات في سوق تسيطر عليها عصابات الاحتكار في الكثير من مجالات الإنتاج والتجارة. وكان هذا النظام ونتائجه سببا رئيسيا من أسباب الثورة المصرية الكبرى في 25 يناير، إلى جانب أهداف الحرية والديموقراطية الكاملة المتمثلة في بناء نظام يقوم على الفصل بين السلطات والتوازن بينها واحترام حقوق وكرامة الإنسان، بعد سنوات سوداء من الطوارئ سيئة السمعة والاعتقال والتعذيب وحتى القتل لأتفه الأسباب.  

وتستغرب السلطات في مصر وتستهجن الاضرابات والاعتصامات وترى أنها ينبغي أن تتوقف واصفة إياها بـ"الفئوية" وكأن هذه الفئوية عارا، دون أن تنظر إلى أن أغلب هذه الإضرابات والاعتصامات ناتجة عن عدم اقتراب السلطات من تحقيق أحد أهم أهداف الثورة وهو العدالة الاجتماعية 
.
ومن المعروف أن العدالة الاجتماعية تتحقق بصورة أساسية من خلال نظم الأجور والضرائب والدعم السلعي والتحويلات ودعم الخدمات الصحية والتعليمية وتمكين البشر من كسب عيشهم بكرامة من خلال خلق فرص العمل باستثمارات حكومية أو بتهيئة البيئة الاقتصادية لخلق المزيد من فرص العمل في القطاع الخاص الصغير والمتوسط والكبير والتعاوني، لأن هذا العمل هو الذي يخرجهم من دائرة الفقر من جهة، ويجعلهم جزء من القوة المنتجة والدافعة لاقتصاد بلادهم من جهة أخرى، فماذا فعلت الحكومة في هذه المجالات؟
كانت احتياجات إجراء تعديل جوهري في نظام الأجور تتطلب حسب وزير المالية السابق د. سمير رضوان نحو 40 مليار جنيه، ووجدت الحكومة أنه لا يتوفر لديها هذا المبلغ واكتفت بإجراء تعديلات محدودة برفع الحد الأدنى لأقل كثيرا من مطالب العاملين، ولأقل مما تتطلبه الحياة الكريمة للعامل بتكلفة بلغت نحو 7 مليارات جنيه، بينما لم تجد مشكلة في زيادة مخصصات دعم الطاقة أو المواد البترولية من 67.7 مليار جنيه في آخر موازنة في عهد مبارك، إلى 95.5 مليار جنيه في الموازنة الحالية للعام المالي 2011/2012، وهذا الدعم لا يحصل منه الفقراء والطبقة الوسطى سوى على نحو 20 مليار جنيه على أقصى تقدير، بينما تذهب غالبيته الساحقة إلى الرأسمالية الكبيرة المحلية والأجنبية وبالذات إلى صناعات كثيفة الاستخدام للطاقة وتبيع إنتاجها بأعلى من الأسعار العالمية. ويتضاءل الدعم الذي يحصل عليه الفقراء ومحدودي الدخل في مجال دعم الخبز والسلع التموينية، والذي لم تتجاوز مخصصاته نحو 18.9 مليار جنيه، والتحويلات التي يحصل عليها الفقراء والمتمثلة في معاش الضمان الاجتماعي الذي لم تتجاوز المخصصات الخاصة به نحو 2.4 مليار جنيه، أمام جبل الأموال المخصص لدعم الطبقة العليا في مجال الطاقة كما ورد آنفا، لذا فإن الجهود الحثيثة التي يبذلها وزير التضامن من أجل ضمان وصول الدعم لمستحقيه وتحسين السلع المدعومة والسيطرة على أسعار بعض السلع الأساسية، هي جهود محمودة، لكنها تأتي بعد توزيع مشوه للدعم يُقزم المخصصات الموجهة للفقراء ومحدودي الدخل ويُعظم تلك الموجهة للطبقة العليا، وذلك من خلال الموازنة العامة للدولة التي أُعدت في عهد وزير المالية السابق د. سمير رضوان والتي تبناها بالكامل وزير المالية الحالي د. حازم الببلاوي. ولا أدرى لماذا تم تغيير د. سمير رضوان إذا كانت السياسة المالية التي يتبناها والتي تعكسها الموازنة العامة للدولة، لم يتم تغييرها. لقد بدا التغيير وكأنه أمر شخصي، رغم أن د. سمير رضوان هو على المستوى الشخصي من أفضل أعضاء الحكومة، إن لم يكن الأفضل، والخلاف معه كان بشأن سياساته المالية وليس شخصه، لكن الشخص هو الذي ذهب بالتغيير، وبقيت السياسات 

ولو أبقت الحكومة بمختلف الوسائل على دعم الطاقة الموجه للفقراء والطبقة الوسطى، وألغت الدعم المقدم للطبقة الرأسمالية الكبيرة المحلية والأجنبية العاملة في مصر، فإنه يمكن توفير عشرات المليارات من الجنيهات التي يمكن من خلال جزء منها أن يتم إصلاح نظام الأجور وربطه بنظام صارم للعمل والثواب والعقاب، بحيث يأخذ العامل حقه، ويكون ملزما بصورة صارمة بأداء واجبه الوظيفي على أكمل وجه

كما أن الحد الأقصى للأجر الذي يحقق درجة من العدالة الاجتماعية لم يتحقق حتى الآن. وكان وزير المالية السابق د. سمير رضوان قد اقترح جعل الحد الأقصى للدخل الشامل لموظف العموم 36 ضعفا للحد الأدنى للدخل الشامل الذي حدده بـ 700 جنيه، وذهب الرجل دون أن يطبق هذا النظام الذي كان محل اعتراض من القوى والحركات السياسية والباحثين المستقلين الذين كانوا يرون أن الحد الأقصى لدخل موظفي العموم ينبغي ألا يزيد عن 15 ضعف الحد الأدنى. والغريب أن وزير المالية الحالي قال بعد فترة أنه يعد مشروعا للحد الأدنى، ثم تبنى نفس المشروع والرقم الذي تم وضعه في عهد د. سمير رضوان وهو جعل الحد الأقصى 36 ضعفا للحد الأدنى، على أن يبدأ التطبيق في بداية العام القادم، يعني مجرد كلام، لأنه عندما يأتي يناير القادم لن تكون هذه الحكومة المعينة من المجلس العسكري في الحكم بناء على الانتخابات العامة ونتائجها. وللعلم فإن عدالة توزيع الدخل من خلال نظام الأجور والدعم والتحويلات وتشغيل العاطلين تؤدي لتعزيز فعالية النمو الاقتصادي 

ويكفي في هذا الصدد أن نعلم أن معدل النمو الاقتصادي في البرازيل بلغ 2.7% خلال الفترة من 1993 حتى عام 2003، في ظل توزيع سئ للدخل، كان أغنى 10% من السكان يحصلون من خلاله على 93 ضعف أفقر 10% من السكان. ومع تحسين توزيع الدخل في عهد رئيس الوزراء اليساري لولا دي سيلف، مما أدى إلى تراجع حصة أغنى 10% من السكان إلى 35 ضعف أفقر 10% في عام 2009 ، بلغ متوسط معدل النمو نحو 4.4% سنويا رغم كل عواصف الأزمة الاقتصادية العالمية، وتحولت البرازيل من العجز إلى الفائض، وأصبحت لديها احتياطيات ضخمة 

أما نظام الضرائب فهناك إصرار على إبقاء النظام الضريبي الفاسد القديم دون غجراء أي تغيير جوهري، رغم أن صندوق النقد الدولي، المعقل الفكري للرأسمالية الحرة يرى أنه من الطبيعي وضع نظام ضريبي تصاعدي وإخضاع المكاسب الرأسمالية في البورصة أو عوائد الودائع، للضرائب. أما تشغيل العاطلين من خلال استثمارات عامة جديدة أو اكتتابات عامة لبناء مشروعات خاصة جديدة ترعاها الدولة، أو تنشيط الاستثمار الخاص بكل أحجامه، فلم تحدث تغييرات جوهرية فيه، في ظل تعقيدات إنشاء المشروعات ومستوى الفساد الإداري وبقاء مؤسسات مكافحة الفساد والقوانين الخاصة بها كما كانت في عهد مبارك، فضلا عن الانفلات الأمني الذي هو مسئولية الدولة. إن العدالة الاجتماعية التي ألهمت مصر كل العالم بها، في حاجة إلى إجراءات وشجاعة في التقدم نحو الاستجابة لمطالب الشعب الذي سيظل يطالب بها كهدف رئيسي لثورته 

أحمد السيد النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق